المناوي
88
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وسمع قارئا يقرأ : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [ الإسراء : 86 ] فأغمي عليه ، فلمّا أفاق جعل يقول : بمثل هذا تخاطب الأحباب ؟ ! وقال : ليس الكامل من يوصل كلّ يوم ألفا من العوام ، بل من يوصل فقيها واحدا في مائة عام . وفي قصّة موسى والخضر كفاية لكلّ معتبر . وقال : الإفلاس يا ناس الاستئناس بالنّاس . وقال : الزم الوحدة ، وامح اسمك من القوم ، والزم الجدار حتّى تموت . وقال : لو كان لي في القيامة أمر لسألت اللّه أن يملأ جهنّم منّي وحدي ، لئلّا يبقى فيها متّسع لغيري ، لأفدي بعض أمّة محمّد ، فرأى في نومه اللّه يقول : أما تستحي أن تقول ما قلت ؟ إن كنت تتكرّم على خلقي بما يضرّك فأنا خالق الكرم وأولى أن أتكرّم عليهم بما لا يضرّني . فقلت : وعزّتك قد تهت « 1 » فلم أدر ما أقول . وجاءه رجل فقال : أيّ الصّبر أشدّ ؟ قال : الصّبر في اللّه . قال : لا ، قال : فالصّبر مع اللّه ، قال : لا . قال : فالصّبر للّه ، قال : لا . قال : فأيّ شيء ؟ قال : الصّبر عن اللّه . فصرخ الشّبليّ صرخة كادت روحه أن تخرج ، ثمّ أنشد : الصّبر يجمل في المواطن كلّها * إلّا عليك فإنّه لا يجمل وحجّ فلمّا رأى الكعبة أغمي عليه ، ثمّ أنشد : هذه دارهم وأنت محبّ * ما بقاء الدّموع في الآماق ثم انتبه ، فسمع قائلا يقول : أسائل عن ليلى فهل من مخبر * يكون له علما بها كيف تنزل فصاح ، وقال : واللّه ما عنه في الدّارين مخبر . وسئل : هل تظهر صحّة الوجد على الواجدين ؟ فقال : نور مقرون بنيران اشتياق تحرق فتلوح على الهياكل آثارها « 2 » .
--> ( 1 ) في المطبوع : قد بهت . ( 2 ) في الأصل : مقارن لنيران اشتياق فتلوح ، والمثبت من مناقب الأبرار 167 / أ .